قابلت طفلاً جميلاً، ذو وجه ملائكي وعيون جميلة ذات نظرة صافية، حانية تملؤها التساؤلات، تلامست معه ذات صباح في إحدى زيارات الإفتقاد وحينما هممنا بالوقوف وقد دعوته وأهله ومجموعة من الأطفال لنصلي سوياً، وجدته يجذبني بلطف وبصوت منخفض يسألني: ما هي الصلاة؟
كان سؤاله تلقائياً، يبدو سؤالاً بسيطا، لكن وجدت نفسي أرفع عيني نحو السماء، طالبة من الله الإرشاد لتكون إجابتي مناسبة لعمره، وكما هداني روح الله ووجدت نفسي أقول له:
الصلاة هي سمو القلب والروح نحو السماء... نحو الله القدوس... هي نظرة رجاء إلى السماء... هي كلمة شكر وامتنان لله صانع الخيرات... ضابط الكل... كنز كل الصالحات.
هي تسبحة وتمجيد لإسم الله القدوس، هي دمعة توبة صادقة، في ندم وانسحاق... هي نداء قلب حزين يئن متوقعاً تعزية السماء... هي قرع بلجاجة على باب قلب الله... هي أنشودة حب إلى الحبيب الأعظم... هي سماع صوت الله وحديثه الهامس... هي التضرع من أجل الأخرين، الأعداء والأصدقاء والمقربين... هي طلب وجه الله حباً فيه، لا طمعاً بما تفيض به يداه... هي طلب رضاه وغفرانه... هي طلب حكمته وثمار روحه القدوس... هي طلب السماويات... واثقين أن كل الأرضيات «تزاد لنا»... هي ثقة في قلب الله... في حبه ورحمته اللامحدودة... ثقة في كل وعوده ومواعيده... هي حنين الغريب في الأرض إلى الموطن السمائي الأبدي... هي اشتياق الجزء إلى الكل... هي احتياج الأرض العطشانة الجافة إلى الإرتواء من نبع الماء الحي... هي جوع النفس التعبة للشبع من خبز الحياة... المن السماوي ولا سواه... الصلاة هي مفتاح باب السماء.
هي مجرد الجلوس في حضرة الله الحبيب وملائكته وقديسيه... هي نظرة حب صامتة... هي تأمل في عجائب الله وصفاته وكل أعماله.هي عمل كل أعمالنا اليومية ولو البسيطة منها بأمانة وبقلب نقي... تقدمة للحبيب... هي تقديم النفس «ذبيحة حية للرب» بإحتمال آلام وضيقات الحياة اليومية... هي صلاة المتضع أمام الله.
هي معاني ومشاعر ينطق بها القلب قبل ان تفيض بها الكلمات... فما الصلاة إلا صلة الرحيم بالإبن والأحشاء الإلهية، التي لا تنقطع. وما هي إلا صلة العشرة الحميمة بيننا وبين الله وقديسيه نبدؤها هنا على الأرض ونستكملها وجها لوجه معه في السماء... فكلمة «صلاة» هي نفسها كلمة «صلة»، وأما الألف «ا» فهي ذلك العمود الذهبي غير المرئي، الواصل بين الأرض والسماء.
مقتبسه من مجلة اليقظة